الشيخ حسين بن الحسن الريار بكري
244
تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس
فنا شده فقال بحق الذي قوّاك وأقدرك علىّ الا رحمتنى ولم تتعرّض لي بسوء فولى عنه العقاب وقال له ويلك ثكلتك امّك ان نبىّ اللّه قد حلف أن يعذبك أو يذبحك ثم طارا متوجهين نحو سليمان فلما انتهيا إلى المعسكر تلقاه النسر والطير فقالوا له ويلك أين غبت في يومك هذا فلقد توعدك نبىّ اللّه وأخبروه بما قال سليمان فقال الهدهد وما استثنى رسول اللّه قالوا بلى قال أو ليأتيني بسلطان مبين قال نجوت إذا ثم انطلق العقاب والهدهد حتى أتيا سليمان وكان قاعدا على كرسيه فقال العقاب قد أتيتك به يا نبىّ اللّه فلما قرب الهدهد منه طأطأ رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرّها على الأرض تواضعا لسليمان فلما دنا منه أخذ برأسه فمدّه إليه وقال أين كنت لأعذبنك عذابا شديدا قال له الهدهد يا نبىّ اللّه اذكر وقوفك بين يدي اللّه عز وجل فلما سمع سليمان ذلك ارتعد فرقا وعفا عنه ثم سأله فقال ما الذي أبطأك عنى فقال الهدهد أحطت بما لم تحط به أي علمت شيئا من جميع جهاته يعنى حال سبأ ألهم اللّه الهدهد فكافح سليمان بهذا الكلام مع ما أوتى من فضل النبوّة والعلوم الجمة ابتلاء له في علمه وفيه دليل على ابطال قول الرافضة ان الامام لا يخفى عليه شيء ولا يكون في زمانه أعلم منه كذا في المدارك * وفي أنوار التنزيل مخاطبته إياه بذلك تنبيه على أن في أدنى خلق اللّه من أحاط علما بما لم يحط به أعلاه ليتحاقر إليه نفسه ويتصاغر لديه علمه قال وجئتك من سبأ بنبأ يقين السبأ أولاد سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان وفي أنوار التنزيل مواضع سكنى سبأ باليمن يقال لها مأرب بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ولما قال الهدهد وجئتك من سبأ بنبأ يقين قال سليمان وما ذاك قال إني وجدت امرأة يعنى بلقيس بنت شرحبيل بن مالك ابن الريان كذا في أنوار التنزيل والمدارك * وفي لباب التأويل وتفسير الثعالبي من نسل يعرب بن قحطان وكان أبوها ملكا عظيم الشأن قد ولد له أربعون ملكا هي آخرهم وكان يملك أرض اليمن كلها وكان يقول لملوك الأطراف ليس أحد منكم كفوا لي وأبى أن يتزوّج فيهم فخطب إلى الجنّ فزوّجوه امرأة منهم يقال لها ريحانة بنت السكن * قيل في سبب وصوله إلى الجنّ حين خطب إليهم أنه كان كثير الصيد فربما اصطاد الجنّ وهم على صور الظباء فيخلى عنهم فظهر له ملك الجنّ وشكره على ذلك واتخذه صديقا فخطب ابنته فزوّجه إياها وقيل إنه خرج متصيدا فرأى حيتين تقتتلان بيضاء وسوداء وقد ظهرت السوداء على البيضاء فقتل السوداء وحمل البيضاء وصب عليها الماء فأفاقت فأطلقها فلما رجع إلى داره وجلس وحده فإذا معه شاب جميل فخاف منه فقال لا تخف انا الحية البيضاء التي أحييتني والأسود الذي قتلته هو عبد لنا تمرّد علينا وقتل عدّة منا وعرض عليه المال فقال المال لا حاجة لي فيه ولكن ان كان لك بنت فزوّجنيها فزوّجه ابنته فولدت له بلقيس وجاء في الحديث ان أحد أبوى بلقيس كان جنيا فلما مات أبو بلقيس طمعت في الملك ولم يكن له ولد غيرها فطلبت من قومها أن يبايعوها فاطاعها قوم وأبى آخرون وملكوا عليهم رجلا آخر يقال إنه ابن أخي الملك وكان خبيثا أساء السيرة في أهل مملكته حتى كان يمدّ يده إلى حرم رعيته ويفجر بهنّ فأراد قومه خلعه فلم يقدروا عليه فلما رأت بلقيس ذلك أدركتها الغيرة فأرسلت إليه تعرض نفسها فأجابها وقال ما منعني أن أبتدئك بالخطبة الا اليأس منك فقالت لا أرغب عنك لأنك كفؤ كريم فاجمع رجال أهلي واخطبنى فجمعهم وخطبها فقالوا لا نرى تفعل فقال بلى انها قد رغبت فىّ فذكروا ذلك لها فقالت نعم فزوّجوها منه فلما زفت إليه خرجت في أناس كثيرة من حشمها وخدمها ولما خلت سقته الخمر حتى سكر ثم قتلته وحزت رأسه وانصرفت إلى منزلها من الليل فلما أصبحت أرسلت إلى وزرائه وأحضرتهم وقرعتهم وقالت لهم أما كان فيكم من يأنف لكريمته أو كرائم عشيرته ثم أرتهم إياه قتيلا وقالت اختاروا رجلا تملكونه عليكم فقالوا لا نرضى غيرك فملكوها وعلموا أن ذلك النكاح كان مكرا